ابن عرفة
146
تفسير ابن عرفة
أخر ، وانتفاء المسبب يدل على انتفاء كل سبب ، فإنما يمتنع الأول لامتناع الثاني ، لأن امتناع الثاني هو السبب ، فيدل انتفاؤه على انتفاء السبب الأول . قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . دل امتناع الفساد على امتناع الإلهية وبدليل جواز ، قولنا : لكان حيوانا فيقتضي كونه إنسانا لانتفاء الحيوانية ، ولو كان كما قاله النحويون : لما جاء أن يتكلم بذلك ، انتهى ، ويلزمه أيضا انتفاء اللازم لانتفاء الملزوم ، لأن كونه حيوانا لازم لكونه إنسانا والحال الكلام عليها في الكتابين لما يرجع إلى هذا ، والمقصود إنما هو العلم لا الوجود الخارجي ، فعلمنا بأن النبات لم يجعل حطاما ، دليل على أن اللّه تعالى لم يشأ حطاما ، ولو شاءه لوقع كذلك . قوله تعالى : فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . أي تعجبون وتقدمون ، وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ، أي لملزومون غرامه ، ما أثبتنا ، وقيل : أي لمهلكون ، والأول أصوب ، لأن الإضراب يكون فيه الثاني أشد وأقوى من المضروب عنه ، ولا أشد من الهلاك . قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ . عين هنا المشروب ، وقال : فيما سبق أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ، ولم يقل : أفرأيتم الحب الذي تحرثون ؟ لأن المحروث شيء واحد ، وهو الحب ، والمشروب متعدد فاللبن مشروب ، وكذلك العسل ، قال تعالى يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ [ سورة النحل : 69 ] ، فإن قلت : لم قال أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ بلفظ الماضي ، وقال : قبله أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ بلفظ المستقبل ؟ فالجواب : أن المراد أفرأيتم ما الذي أنتم متمكنون من شربه ، والتمكن من شرب الماء متأخر عن لا تلبث حتى تحرث ، فإن قلت : يعارض هذا التقدير بأن الزراعة أيضا متعددة على الحرث ، لأن الحب المحروث كان قبل ذلك زرعا ثم صار حبا ، قلت : يلزم على هذا الدور التسلسل ، وذلك محال ، لأن الحب المحروث متأخر عن كونه زرعا ، وكونه زرعا متأخر عن كونه حبا ، وكونه حبا متأخر عن كونه زرعا ، إلى إلا نهاية . . . . . « 1 » عمله فلذلك أكد جعله الزرع حطاما باللام ، ولم يؤكد جعل الماء أجاجا تأكيدا لكمال قدرة اللّه تعالى ، وإنه لا يعجزه شيء ، وأجاب الزمخشري : بوجهين آخرين :
--> ( 1 ) طمس في المخطوطة .